ابن عربي
238
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الحق ، ويعلمون أنه بالمرصاد ، وهو الحاكم وبيده الميزان يرفع ويخفض ، لم يصح نزاع في العالم ، فدل وقوعه أن الكل في حجاب عن الحاكم صاحب الوزن والميزان ، فإذا رأيت من ينازع في العالم فاعلم أنه في حجاب عن اللّه ، فإنه تعالى وضع الميزان للنقصان والرجحان ، ليزن به الثقلان . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 8 ] أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) لكم بالرجحان وعليكم بالنقصان ، فذلك الإفراط والتفريط من أجل الخسران . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 9 ] وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) « وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ » فإن اللّه وضع لنا في العالم الموازين الشرعية لنقيم بها الوزن بالقسط ، وهو الاعتدال ، مثل لسان الميزان والكفتين ومثل اعتدال الإنسان ، إذ الإنسان لسان الميزان ، فلا بد فيه من الميل إلى جانب داعي الحق ، فالواجب إقامة الوزن بالقسط ، فإن رجحت الوزن في القضاء فهو أفضل ، فإنك امتثلت أمر اللّه ، فإنه ما رجح الميزان حتى اتصف بالإقامة التي هي حد الواجب ثم رجح ، والذي يخسر الميزان ما بلغ بالوزن حد الإقامة حتى يحصل الواجب ، مثل ما فعل المرجح ، فما حمدنا المرجح إلا لحصول إقامة الوزن لا للترجيح ، ثم أثنينا عليه ثناء آخر بالترجيح ، فالمرجح محمود من وجهين ، وحمده من جهة الإقامة أعلى لأنه الحمد الوجوبي « وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ » وهو الموزون من الأعيان ، فلا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل ، فإنه إذا أقيمت موازين الشرع الإلهي في العالم سرى العدل في العالم . واعلم أنه ما من صنعة ولا مرتبة ولا حال ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علما وعملا ، فللمعاني ميزان بيد العقل يسمى المنطق ، يحوي على كفتين تسمى المقدمتين ، وللكلام ميزان يسمى النحو ، يوزن به الألفاظ ، لتحقيق المعاني التي تدل عليه ألفاظ ذلك اللسان ، ولكل ذي لسان ميزان ، فالأمر محصور في علم وعمل ، والعمل على قسمين : حسي وقلبي ، والعلم على قسمين : عقلي وشرعي ، وكل قسم على وزن معلوم عند اللّه في إعطائه ، وطلب من العبد لما كلفه أن يقيم الوزن بالقسط ، فلا يطغى فيه ولا يخسره ، وميزان العمل حسي وقلبي ، كل من جنسه ، فميزان العمل أن ينظر إلى